الشنقيطي
163
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تعبير بالفعل ، وهو يدل على التجدد والحدوث ، فقد كان صلى اللّه عليه وسلم من حيث المال حالا فحالا ، والواقع أن غناه صلى اللّه عليه وسلم كان قبل كل شيء ، هو غنى النفس والاستغناء عن الناس ، ويكفي أنه صلى اللّه عليه وسلم أجود الناس . وكان إذا لقيه جبريل ودارسه القرآن كالريح المرسلة ، فكان صلى اللّه عليه وسلم القدوة في الحالتين ، في حالي الفقر والغنى ، إن قلّ ماله صبر ، وإن كثر بذل وشكر . استغن ما أغناك ربك بالغنى * وإذا تصبك خصاصة فتجمل ومما يدل على عظم عطاء اللّه له مما فاق كل عطاء . قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ، ثم قال : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 87 - 88 ] . وقد اختلفوا في المقارنة بين الفقير الصابر والغنى الشاكر ، ولكن اللّه تعالى قد جمع لرسوله صلى اللّه عليه وسلم كلا الأمرين ، ليرسم القدوة المثلى في الحالتين . تنبيه في الآية إشارة إلى أن الإيواء والهدى والغنى من اللّه لإسنادها هنا للّه تعالى . ولكن في السياق لطيفة دقيقة ، وهي معرض التقرير ، يأتي بكاف الخطاب : ألم يجدك يتيما ، ألم يجدك ضالا ، ألم يجدك عائلا ، لتأكيد التقرير ، لم يسند اليتم ولا الإضلال ولا الفقر للّه ، مع أن كله من اللّه ، فهو الذي أوقع عليه اليتم ، وهو سبحانه الذي منه كلما وجده عليه ، ذلك لما فيه من إيلام له ، فما يسنده للّه ظاهرا ، ولما فيه من التقرير عليه أبرز ضمير الخطاب . وفي تعداد النعم : فآوى ، فهدى ، فأغنى . أسند كله إلى ضمير المنعم ، ولم يبرز ضمير الخطاب . قال المفسرون : لمراعاة رؤوس الآي والفواصل ، ولكن الذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أنه لما كان فيه امتنان ، وأنها نعم مادية لم يبرز الضمير لئلا يثقل عليه المنة ، بينما أبرزه في : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ [ الانشراح : 1 - 4 ] ، ورفعنا لك ذكرك . لأنها نعم معنوية ، انفرد بها صلى اللّه عليه وسلم . واللّه تعالى أعلم .